الفيض الكاشاني
14
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
وقد قيل : الاستيناس بالناس من علامات الإفلاس . فإذن هذه فائدة جليلة ولكن في حقّ بعض الخواصّ ومن تيسّر له بدوام الذكر الأنس باللَّه أو بدوام الفكر التحقيق في معرفة الله فالتجرّد له أفضل من كلّ ما يتعلَّق بالمخالطة فإنّ غاية العبادات وثمرة المعاملات أن يموت الإنسان محبّا للَّه عارفا باللَّه ولا محبّة إلا بالأنس الحاصل بدوام الذكر ولا معرفة إلا بدوام الفكر وفراغ القلب شرط كلّ واحد منهما ولا فراغ مع المخالطة . الفائدة الثانية التخلَّص بالعزلة عن المعاصي الَّتي يتعرّض الإنسان لها غالبا بالمخالطة ويسلم منها في الخلوة وهي أربعة : الغيبة ، والرياء ، والسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومسارقة الطبع من الأخلاق الرديّة والأعمال الخبيثة الَّتي يوجبها الحرص على الدنيا . أمّا الغيبة فإذا عرفت في كتاب آفات اللَّسان من ربع المهلكات وجوهها عرفت أن التحرّز عنها مع المخالطة عظيم لا ينجو منها إلا الصدّيقون ، فإنّ عادة الناس كافّة التمضمض بأعراض الناس والتفكَّه بها ، والتنقّل بحلاوتها ، فهي طعمتهم ولذّتهم ، وإليها يستروحون من وحشتهم في الوحشة ( 1 ) فإن خالطتهم ووافقت أثمت وتعرّضت لسخط الله ، وإن سكت كنت شريكا والمستمع أحد المغتابين ، وإن أنكرت أبغضوك وتركوا ذلك المغتاب واغتابوك فازدادوا غيبة إلى الغيبة ، وربّما زادوا على الغيبة وانتهوا إلى الاستخفاف والشتم . وأمّا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو من أصول الدّين [ وهو واجب ] كما سيأتي بيانه في هذا الربع إن شاء الله ، ومن خالط الناس فلا يخلو عن مشاهدة المنكرات ، فإن سكت عصى الله به وإن أنكره تعرّض لأنواع من الضرر ربّما يجرّه الخلاص منها إلى معاصي هي أكثر ممّا نهي عنه ابتداء ، وفي العزلة خلاص من هذا فإنّ الأمر في إهماله شديد والقيام به شاقّ . فعن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إذا رأي الناس المنكر ولم يغيّروه أو شك أن يعمّهم الله
--> ( 1 ) كذا وفي الاحياء « يستروحون من وحشتهم في الخلوة » وهو الصواب .